السبت, 09 صفر, 1429
إن شعار الحرية المطلقة على الرجل و المرأة يبدو براقاً للوهلة الأولى و لكنه يدفع الإنسان إلى عميق الألم في لحظات حصاد نتاج هذه الحرية ، فمن الطبيعي أن نسمع عن رجل مستغل و جشع و حقير و أناني ، و تأتي هذه الكلمات على ألسنة النساء في لحظة الطلاق أو الإنفصال إذا كانت المرأة قد خسرت كل شيء في لحظة الطلاق لأنها وقعت قبل الزواج على وثيقة مسجلة عند المحامي على حقوق الزوج خلال الطلاق .
و من الطبيعي كذلك أن نسمع من الرجال في أمريكا و فرنسا و أنجلترا كلمات مثل : " خائنة و جشعة ، لصة ، أخذت ثروتي لتعطيها لعشيقها " و السبب في ذلك أن الرجل قد وقع على شروط قاسية للزواج و الإنفصال معاً .
و هكذا يتحول الجسد الإنساني إلى سلعة تحتاج إلى تأمين من الطرف الذي يستعمل السلعة سواء كان رجلاً أم امرأة .
و من الملاحظ أن الأطفال في الحضارات المعاصرة القائمة على الجشع يتعلمون رحلة الأنانية و الفضاضة و القسوة من لحظة تعريف المجتمع لهم لمعنى كلمة الحرية . ذلك أننا نلاحظ مثلاً أن الطفل الذي ينشأ في مجتمع متدين لا يفهم كلمة الحرية إلا في ضوء كلمة المسؤولية ، و أن الطفل الذي يولد في مجتمع يحترم فيه الرجل المرأة و تحترم فيه المرأة الرجل لا يمكنه أن ينسجم مع معنى الحرية الموجود على ساحة المدن الكبرى في الحضارة الغربية المعاصرة .
إن الحديث السري الذي تخاطب به الحضارة العصرية الإنسان الذي يحيا فيها ... هذا الحديث السري يمكن أن نوجزه فيما يلي :
إن أردت أن تكون سعيداً فعليك أن تكون أنانياً جشعاً ، و أن تستغل غيرك بسند من القوانين ، و أن تهرب من الأقوى منك حتى و إن كان الحق معك . لا مانع من أن تغتصب اللذة بأية طريق ، و لكن احذر أن تكون مسؤولاً عن هذه اللذة .
و يكفي للتدليل على ذلك أن كتاباً واحداً صدر في الأعوام الماضية لمؤلفته جاكي كولنز الذي مازال يتربع على عرش أجود الكتب مبيعاً ، و هو عن زوج يصطاد دائماً للذته صديقات زوجته و لكن بحذر و دون أن تعلم الزوجة بذلك ، و عندما تكتشف الزوجة ذلك تطلقه و تسعى هي لالتقاط لذتها من الرجال بشرط واحد هو أن يكون كل منهم صديقاً للآخر و ذلك لترى رحلة عجز الرجل في الدفاع عن الأنثى التي يسعد معها . تحول هذا الكتاب إلى مسلسل تلفزيوني يشاهده مائتا مليون أمريكي و أوروبي ، و مهما قيل عن التحذيرات بأن الأطفال لا يجب أن يشاهدوا مثل هذه المسلسلات إلا أن الآباء و الأمهات يتفاعلون معها ، الأمر الذي ينقل أثرها النفسي إلى الأطفال . إن الأب قد يقول للأم : " اشكري السماء لأنها رزقتك زوجاً لا ينظر إلى صديقاتك " . و الأم قد تقول للرجل : " يمكنك أن تخفض عينيك من النظر إلى صديقاتي و إلا فعلت مثلما فعلت بطلة المسلسل " .
إن عفة الزوجين تتحول هنا إلى مساومة ، و هذه المساومة يراها الطفل أمام عينيه فيحس بخطر داهم ، يحس أن ارتباط أمه و أبيه هو ارتباط غير نهائي و غير دائم و قابل للإنكسار ، و يشعر في اللحظة أن علاقة الأب و الأم هي علاقة غير مستقرة .
لكن ارتباط الرجل بالمرأة في المجتمع الشرقي يختلف ، لأن الأمومة في الريف و البادية العربية على سبيل المثال ، لها وضع مميز و دور واضح الملامح . و في المجتمعات ذات الثقافة الإسلامية غير المشوهة نجد أن المرأة كريمة مع نفسها و كريمة مع زوجها ، و كذلك نجد الزوج كريماً مع زوجته و كريماً مع نفسه .
إن الثقافة الإسلامية بمعناها النقي تحرم على الرجل أن يهجر زوجته إلى عمل أكثر من ثلاثة أشهر ، و تأمر الرجل أن يساعد زوجته في أعمال البيت ، و تأمر الرجل أن يلاعب ابنه حتى عامه السابع ، و بعد ذلك يؤمر بنصحه ، و بعد ذلك بمصاحبته . و إذا ما نشأت مشكلة ما بين الزوجين فالثقافة الإسلامية الصحيحة تقضي بأن للزوجة حقوقاً تجاه الزوج و المجتمع ، و أن هناك نظاماً دقيقاً للإنفصال بينهما ، و فوق كل ذلك هناك إطار من التسامح و الحث على الكرم .
إن الحياة الزوجية بهذا الأسلوب تصبح رباطاً قوياً ، و ينعكس ذلك على أدق التفاصيل في حياة الأبناء الصغار ، و إن القيم الإنسانية الراقية إذا ما استقرت في أعماق الأم و الأب ، فإنها تنتقل إلى الإبن . و نحن نثق بأن في كل طفل جانب من الكرم و المثل العليا و أن في كل طفل أنانية و رغبة في السيطرة على كل من و له . و على قدر تعامل المجتمع بقيم معينة فإن هذه القيم هي التي تسود في ثقافة الطفل .
إن الطفل هو مرآة الثقافة و السلوك الإنساني ، فهو يعكس ما يراه في مجتمعه ، فالطفل الذي ينشأ في مجتمع ينتشر فيه الطلاق قد يسأل أمه : " متى تحصلين على الطلاق يا أمي ؟ " ، قد يسأل الطفل هذا السؤال رغم أن أمه تحب أباه و العكس يبقى صحيحاً .
إن حضارة المكسب و الخسارة التي تحاصر الأطفال تجعلهم يفهمون الحياة على أنها ليست أكثر من أرقام . إن هذه الحضارة تنتج أطفالاً متنافسين لا يحبون إلا الإستهلاك و لا يرون جدوى من لذة العمل و الإنتاج .
الطفل الذي يشاهد مبارة لكرة القدم و يرى الحماس بين المدرجات هو طفل لا يعرف أن الرياضة هدفها أساساً تنمية الجسم و تنمية الروح فهو يجد في الرياضة وسيلة عدوان متبادل .
إن الطفل عندما يشاهد السباق الرهيب على الفوز بأشياء بلا قيمة حقيقية يندفع هو الآخر في هذا السياق . و ما أكثر الأشياء التي هي بلا قيمة و التي يجري إليها الكبار من الدول ، و الكبار من الأفراد على السواء .
إذن فنحن نختار تنشئة أبنائنا على مبدإ الربح أو الخسارة ؟
إذا كنا نختار ذلك فلا يجب أن نغضب عندما نشاهد الأبناء و قد كبروا على الأنانية .
أما إذا كنا نرغب في تنشئة أبنائنا على مبدإ التعاون مع الآخرين لإقامة مجتمع يحترم الفرد و يقدس حقوق المجتمع ، فلنقم نحن الكبار بتربية أنفسنا في كل لحظة لنكون المثل و القدوة لأبنائنا .
أضف تعليقا
اضيف في 16 صفر, 1429 03:46 م , من قبل wawak42
من المملكة العربية السعودية
من المملكة العربية السعودية

أكثر ما أخاطب به أصحاب المدونات هو لقب عزيزتى
ولكنى فى رحابك هنا ،وفى هذا الموضوع ، أخاطبك بـ:
سيدتى
لاستحقاقك فعلا لهذا اللقب
وإن كانت أيضا عادتى تناولى للموضوع أو المقال أو الخاطرة بنقد أو تعليق أو إضافة
إلا أننى هنا لا أجرؤ على أى من هذه
ولكن اسمحى لى أن أجرؤ بقولى:
أنت فعلا سيدة ، وسيدة عظيمة
ليتك تقبلى منى تحيتى وأجمل كا يليق بك من أمنياتى
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية















الغالية سعاد :
بداية ابارك لكي افتتاح المدونة الجديدة والتي نعتبرها مكسب لنا لنحظى بمزيدا من فكرك النير
غاليتي : قرأت مقالك باستمتاع شديد لما يحويه من الروعة في العرض والعبر القيمة
وانا ارى في الاسلام والعودة الى تعاليمه تقويما لما تزعزع او حتى انهار من القيم الاخلاقية لدى الشباب
سررت بتواجدي في هذا الرقي
دمتي بخير